ابن حمدون

206

التذكرة الحمدونية

فبكت ثم قالت : هذه ابنتك ، فأمسكت عنها حتى اشتغلت أمها ، ثم أخرجتها يوما فحفرت لها حفيرة وجعلتها فيها وهي تقول لي : يا أبة ما تصنع بي ؟ وجعلت أقذف عليها التراب وهي تقول : أمغطي أنت بالتراب ؟ أتاركي أنت وحدي ومنصرف عني ؟ وجعلت أقذف عليها التراب حتى واريتها فانقطع صوتها . فدمعت عين رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ثم قال : إنّ هذه لقسوة وإن من لا يرحم لا يرحم . ورأى في حجر رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بعض بناته يشمّها فقال له : ما هذه السخلة تشمها ؟ واللَّه لقد وأدت ثمانية ، وولد لي ثمانون ما شممت منهم أنثى ولا ذكرا قط ، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : فهل إلا أن ينزع اللَّه الرحمة منك . « 494 » - وكان محمد بن عبد الملك الزيات قاسيا مع غير ذلك من رذائل جمعت فيه ، على فضله وعلمه وأدبه وكفايته ، فذكروا أن رجلا دخل عليه فقال له : أنا أصلحك اللَّه أمتّ إليك بجواري وأرغب إليك في عطفك عليّ ، فقال له : أما الجوار فنسب بين الحيطان ، وأما العطف والرقة فهما للصبيان والنساء . 495 - وقيل : كان له جار أيّام انخفاض حاله ، وكان بينهما ما يكون بين الجيران من التباعد ، فلما بلغ محمد ما بلغ من الولاية شخص إلى سرّ من رأى ، فورد بابه وهو يتغدّى ، فوصل إليه وهو على طعامه ، فتركه قائما لا يرفع إليه طرفه وهو يأكل حتى فرغ من أكله ، ثم رفع رأسه إليه وقال له : ما خبرك ؟ فقال الرجل : قد أصارك اللَّه تعالى أيها الوزير إلى أجلّ الآمال ، وصرف رغبات الناس إليك ، وقد علمت ما كنت تنقمه عليّ ، وقد غيّر الدهر حالي فوفدت إليك مستقيلا عثرتي ومستعطفا لك على خلَّتي ، فقال له : قد

--> « 494 » الأجوبة المسكتة رقم : 3 والبصائر 2 / 1 : 35 - 36 ( 5 رقم : 126 ) ونثر الدر 5 : 44 وربيع الأبرار 1 : 493 ومحاضرات الراغب 1 : 243 ، 272 ، 605 .